free web hosting | free hosting | Web Hosting | Free Website Submission | shopping cart | Promoter Online | php hosting
affordable web hosting Pets web page hosting web hosting website hosting web hosting service web hosting best web hosting

فإنما يسّرناه بلسانك لعلّهم يتذكّرون

تبدأ سورة الدخان بتعظيم شأن القرآن الكريم ، وتعظيم شأن الليلة التي أُنزل فيها ، وتركّز السورة على الإنذار دون البشرى ، حيث قال سبحانه في إرسال محمد عليه الصلاة والسلام ( يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45 الأحزاب ) ويؤكد سبحانه أنه أرسله منذرا للبشر من قبل أن يحل بهم العقاب رحمة منه بعباده . والعقاب الذي تأتي على خبره الآيات وتحذّر منه هو البطشة الكبرى التي لم تُحدّد ماهيتها هنا ، ونذير هذه البطشة هو الدخان الذي سيسبقها بقليل ، فليرتقبه الناس فإن ظهر وعاينوه ، فليعتبروا وليحذروا وليعودوا عما هم عليهم من الشك والتشكيك في أمر ربهم ، واللعب في أمر دينهم ، والطعن في رسولهم الكريم الذي بُعث إليهم بشيرا ونذيرا ، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا فليرتقبوا البطشة الكبرى . وقد ظهر الدخان الموصوف في هذه السورة في عاصمة أحد الأقطار العربية ، فاقرأ معنا هذا الفصل والفصول التي تليه ، لتعرف كيف فُسّرت هذه النبوءة على أرض الواقع ، ولتعرف من هم الموعودين بالبطشة الكبرى قريبا ، بعد إصرارهم على ما هم عليه من الكفر والفسوق والعصيان ، بالرغم من غشيان الدخان لهم بنفس الصفة التي أخبرت عنها الآيات .

أقوال بعض المفسّرين في آيات سورة الدخان :

( حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (6)

يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة وهي ليلة القدر ، أمر حكيم أي محكم لا يُبدّل ولا يُغيّر ، ولهذا قال جل جلاله ( أمرا من عندنا ) أي جميع ما يكون ويُقدّره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه ، ( إنا كنا مرسلين ) أي إلى الناس رسولا يتلوا عليهم آيات الله مبينات ابن كثير .

( رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)

أي إن كنتم من أهل الإيقان ، علمتم كونه سبحانه رب السماوات والأرض لأنه من أظهر اليقينيات دليلا ، وفي هذا الشرك تنزيل إيقانهم منزلة عدمه لظهور خلافه عليهم ، وهو مراد من قال : إنه من باب تنزيل العالم منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم ، قيل : ولا يصح أن يقال : إنهم نزلوا منزلة الشاكين لما كان قوله سبحانه بعد : بل هم في شك ، ولا أدري بأسا في أن يقال : إنهم نزلوا أولا كذلك ثم سجّل عليهم بالشك لأنهم وأن أقرّوا بأنه عز وجل رب السماوات والأرض ، لم ينفكّوا عن الشكّ لإلحادهم في صفاته وإشراكهم به تعالى شأنه الألوسي .

( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)

( بل هم في شك يلعبون ) أي ليسوا على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم إن الله خالقهم ، وإنما يقولونه لتقليد آبائهم من غير علم فهم في شكّ ، وإن توهموا أنهم مؤمنون فهم يلعبون في دينهم ، وقيل يلعبون يضيفون إلى النبي صلى الله عليه وسلم الافتراء والاستهزاء ، ويقال أعرض عن المواعظ لاعب ، وهو كالصبي الذي يلعب فيفعل ما لا يدري عاقبته القرطبي .
لا يقولون ما يقولون مما هو مطابق لنفي الأمر عن جدر وإذعان بل يقولونه مخلوطا بهزء ولعب وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم ، والالتفات عن خطابهم لفرط عنادهم وعدم التفاتهم ، والفاء في قوله تعالى : فارتقب لترتيب الارتقاب أو الأمر به على ما قبلها ، فإن كونهم في شك يلعبون مما يوجب ذلك ، أي فانتظر لهم يوم تأتي السماء بدخان مبين الألوسي .

( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)

ارتقب معناه انتظر ، يا محمد بهؤلاء الكفار ، يوم تأتي السماء بدخان مبين ، قاله قتادة . وقيل معناه احفظ قولهم هذا ، لتشهد عليهم ، القرطبي .
يعني تعالى ذكره بقوله ( فارتقب ) فانتظر يا محمد بهؤلاء المشركين من قومك ، الذين ( هم في شك يلعبون ) ، ( يغشى الناس ) يغشى أبصارهم من الجهد الذي يصيبهم ، ( هذا عذاب أليم ) يعني أنهم يقولون مما نالهم من ذلك الكرب والجهد ، هذا عذاب أليم ) الطبري .

أقوال المفسّرين في الدخان :

تفسير ابن مسعود : عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ ، فَقَالَ : يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ ، يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ ، فَفَزِعْنَا . فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ مُتَّكِئًا ، فَغَضِبَ ، فَجَلَسَ ، فَقَالَ : مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ ، فَإِنَّ مِنْ الْعِلْمِ ، أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ) وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا ، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا ، فَادْعُ اللَّهَ ( فَقَرَأَ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - إِلَى قَوْلِهِ - عَائِدُونَ ) أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الْآخِرَةِ ، إِذَا جَاءَ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى ) يَوْمَ بَدْرٍ وَ ( لِزَامًا ) يَوْمَ بَدْرٍ ( الم غُلِبَتْ الرُّومُ ) إِلَى ( سَيَغْلِبُونَ ) وَالرُّومُ قَدْ مَضَى . رواه البخاري وأخرجه مسلم والترمذي وأحمد .
رواية لابن مسعود : عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ ، قَالَ : مَضَى خَمْسٌ الدُّخَانُ وَالرُّومُ وَالْقَمَرُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ . رواه البخاري وأخرجه مسلم والترمذي وأحمد .
حديث حذيفة : عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ، قَالَ : اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ ، فَقَالَ : ( مَا تَذَاكَرُونَ ؟ ) قَالُوا : نَذْكُرُ السَّاعَةَ ، قَالَ : ( إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ ، وَالدَّجَّالَ ، وَالدَّابَّةَ ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ ) رواه مسلم وأخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد .
قال ابن كثير وقد وافق ابن مسعود رضي الله عنه على تفسير الآية بأن الدخان قد مضى جماعة من السلف ، كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي وهو اختيار ابن جرير . وروى ابن جرير عن ربعي بن حراش قال سمعت حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول الآيات الدجال ، ونزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام ، ونار تخرج من قعر عدن أبين ، تسوق الناس إلى المحشر ، تقيل معهم إذا قالوا ، والدخان ، قال : حذيفة رضي الله عنه يا رسول الله : وما الدخان ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ، يغشى الناس هذا عذاب أليم ) يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة ، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة ، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره ) قال ابن جرير لو صحّ هذا الحديث لكان فاصلا ، وإنما لم أشهد له بالصحة .
وقال ابن جرير أيضا : عن أبي مالك الأشعري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن ربكم أنذركم ثلاثا ؛ الدخان ، يأخذ المؤمن كالزكمة ، ويأخذ الكافر ، فينفخ حتى يخرج من كل مسمع منه ، والثانية الدابة ، والثالثة الدجال ) ورواه الطبراني ، وهذا إسناد جيد .
وروى ابن جرير : عن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : ( غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم ، فقال : ما نمت الليلة حتى أصبحت ! قلت : لِمَ ؟ قال : قالوا طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق ، فما نمت حتى أصبحت ) وهكذا رواه ابن أبي حاتم فذكره وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن ، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها ، مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة ، مع أنه ظاهر القرآن ، قال الله تبارك وتعالى ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) أي بيّنٌ واضحٌ يراه كل أحد ، وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه ، إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد ، وهكذا قوله تعالى ( يغشى الناس ) ، أي يتغشاهم ويعميهم ، ولو كان أمرا خياليا يخصّ أهل مكة المشركين ، لما قيل فيه يغشى الناس ، وقوله تعالى ( هذا عذاب أليم ) أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا .
وقال القرطبي : وفي الدخان أقوال ثلاثة ؛ الأول : أنه من أشراط الساعة لم يجئ بعد ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما يملأ ما بين السماء والأرض ، فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام ، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم ويضيق أنفاسهم وهو من آثار جهنم يوم القيامة ، وممن قال إن الدخان لم يأت بعد ، علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وابن أبي ملكية وغيرهم ؛ والثاني : أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا ، قاله ابن مسعود ؛ والثالث : إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة ، قاله عبد الرحمن الأعرج .
وقال الألوسي : أي يوم تأتي بجدب ومجاعة ، فإن الجائع جدا يرَ بينه وبين السماء كهيئة الدخان ، وقد فسّر أبو عبيدة الدخان به ، والمراد باليوم مطلق الزمان أي ارتقب وعد الله ذلك اليوم ، وبالسماء جهة العلو من قبيل الإسناد إلى السبب ، وتفسير الدخان بما فسرناه به ، مروي عن قتادة وأبي العالية والنخعي والضحاك ومجاهد ومقاتل ، وهو اختيار الفرّاء والزجّاج ، وقد روي بطرق كثيرة عن ابن مسعود رضي الله تعالى ، وظاهره يدلّك ما في تاريخ ابن كثير على أن القصة كانت بمكة فالآية مكية ، وفي بعض الروايات أن قصة أبي سفيان كانت بعد الهجرة ، فلعلها وقعت مرتين ، وقد تقدّم ما يتعلق بذلك في سورة المؤمنين ، وقال علي كرّم الله تعالى وجهه وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وزيد بن علي والحسن ، أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة ، يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ ، ويعتري المؤمن كهيئة الزكام ، فالدخان على ظاهره والمعنى فارتقب يوم ظهور الدخان ...
وحمل ما في الآية على ما يعم الدخانين لا يخفى حاله . هذا والأظهر حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولى ، لأنه أنسب بالسياق لما أنه في كفار قريش وبيان سوء حالهم . ( يغشى الناس ) أي يحيط بهم والمراد بهم كفار قريش ، ومن جعل الدخان ما هو من أشراط الساعة حمل ( الناس ) على من أدركه ذلك الوقت ، ومن جعل ذلك يوم القيامة حمل الناس على العموم ، والجملة ( يغشى الناس ) صفة أخرى للدخان ، وقوله تعالى هذا عذاب أليم ، وقيل : يجوز أن يكون هذا عذاب أليم إخبارا منه عز وجل ، تهويلا للأمر ، كما قال سبحانه وتعالى في قصة الذبيح إن هذا لهو البلاء المبين .

( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)

أي يقول الكافرون ، إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم ( ربنا اكشف عنا العذاب ) ابن كثير .
وقوله ( ربنا اكشف عنا العذاب ) يعني أن الكافرين الذين يصيبهم ذلك الجهد ، يضّرعون إلى ربهم بمسألتهم إياه كشف ذلك الجهد الطبري .
كما صرح به غير واحد من المفسرين ، وعدُ منهم بالأيمان إن كشفَ جلّ وعلا عنهم العذاب ، فكأنهم قالوا : ربنا إن كشفت عنا العذاب آمنا لكن عدلوا عنه الألوسي .

( أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)

قال ابن عباس : أي يتعظون والله أبعدهم من الاتعاظ والتذكر ، بعد توليهم عن محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه ( وقالوا مُعلَّم مجنون ) أي علّمه بشر أو علّمه الكهنة والشياطين ثم هو مجنون وليس برسول القرطبي .
( أنى لهم الذكرى ) نفي صدقهم في الوعد ، وأن غرضهم إنما هو كشف العذاب والخلاص ، أي كيف يتذكرون أو من أين يتذكرون بذلك ، ويفون بما وعدوه من الأيمان عند كشف العذاب عنهم وقد جاءهم رسول مبين ، أي والحال أنهم شاهدوا من دواعي التذكر وموجبات الاتعاظ ما هو أعظم من ذلك في إيجابهم ، حيث جاءهم رسول عظيم الشأن ، ظاهر أمر رسالته بالآيات والمعجزات التي تخز لها صم الجبال ، أو مظهرا لهم مناهج الحق ( ثم تولوا عنه ) أي عن ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولم يقل ومجنون بالعطف لأن المقصود تعديد قبائحهم الألوسي .

( إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)

والاحتمال الثاني أن يكون المراد إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا ، بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم ، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال ، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم ابن كثير .
أي إن كشفنا عنكم العذاب كشفا قليلا ، أو زمانا قليلا عدتم ، والمراد على ما قيل عائدون إلى الكفر ، وأنت تعلم أن عودهم إليه يقتضي إيمانهم وقد مر أنهم لم يؤمنوا ، وإنما وعدوا الإيمان فإما أن يكون وعْدُهم مُنزلا مَنزلة إيمانهم ، أو المراد عائدون إلى الثبات على الكفر أو على الإقرار والتصريح به . ( يوم نبطش ) يوم نسلّط القتل عليهم ونوسع الأخذ منهم ، وفي القاموس بطش به ، أخذه بالعنف والسطوة كأبطشه ، والبطش الأخذ الشديد في كل شيء الألوسي .
وروى ابن جرير عن عكرمة ، قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( قال ابن مسعود رضي الله عنه ، البطشة الكبرى يوم بدر ، وأنا أقول هي يوم القيامة ) وهذا إسناد صحيح عنه ، وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصحّ الروايتين عنه ، والله أعلم ، ابن كثير .

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي ءَاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)

يقول تعالى ، ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم قبط مصر ، وجاءهم رسول كريم يعني موسى كليمه عليه الصلاة والسلام ، ابن كثير .
( رسول كريم ) أي مُكرم معظّم عند الله عز وجل ، أو عند المؤمنين أو عنده تعالى وعندهم ، أو كريم في نفسه متصف بالخصال الحميدة والصفات الجليلة حسبا ونسبا الألوسي .
( وإني عذت بربي وربكم ) أي التجأت إليه تعالى ، وتوكلت عليه جل شأنه ( أن ترجمون ) من أن ترجموني ، أن تؤذوني ضربا أو شتما ، أو أن تقتلوني ( وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ) فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي ولا تتعرضوا لي بسوء ، فليس ذلك جزاء من يدعوكم إلى ما فيه فلاحكم ، فدعا ربه بعد أن أصرّوا على تكذيبه عليه السلام ( أن هؤلاء قوم مجرمون ) ، الألوسي .
وفيه اختصار كأنه قيل : أن هؤلاء مجرمون تناهى أمرهم في الكفر وأنت أعلم بهم ، فافعل بهم ما يستحقونه ، قيل : كان دعاؤه عليه السلام اللهم عجّل لهم ما يستحقون بإجرامهم ، وقيل : قوله ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين إلى قوله فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ، وإنما ذكر الله سبحانه السبب الذي استوجبوا به الهلاك ليُعلم منه دعاؤه والإجابة معا ، وأن دعاءه على يأس من أيمانهم وهذا من بليغ اختصارات الكتاب المعجز الألوسي .

( … إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ ، أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، أَهْلَكْنَاهُمْ ، إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) …

( إن هؤلاء ) كفار قريش لأن الكلام فيهم ، وذكر قصة فرعون وقومه استطرادي للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة ، والإنذار على مثل ما حلّ بهم ، وفي اسم الإشارة (هؤلاء ) تحقير لهم ( ليقولون ) : ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) أي ما العاقبة ونهاية الأمر ، إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الأولى ، ( وما نحن بمنشرين ) أي بمبعوثين بعدها الألوسي .
( إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين ، فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل مشركي قريش لنبي الله صلى الله عليه وسلم ، إن هؤلاء المشركين من قومك يا محمد ، ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى التي نموتها وهي الموتة الأولى ، وما نحن بمنشرين بعد مماتنا ولا بمبعوثين ، تكذيبا منهم بالبعث والثواب والعقاب الطبري .
( أهم خير أم قوم تبع ) هذا استفهام إنكار ، أي إنهم مستحقون في هذا القول العذاب ، إذ ليسوا خيرا من قوم تبع والأمم المهلكة ، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء القرطبي .
( والذين من قبلهم ) أي قبل قوم تبع كعاد وثمود ، أو قبل قريش فهو تعميم بعد تخصيص ، ( أهلكناهم ) استئناف لبيان عاقبة أمرهم هدّد به كفار قريش ( إنهم كانوا مجرمين ) تعليل لإهلاكهم ، أي أهلكناهم بسبب كونهم مجرمين ، فليحذر كفار قريشا الألوسي .

( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)

أي أنزلناه سهلا واضحا بينا جليا ، بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها ، ( لعلهم يتذكرون ) أي يتفهّمون ويعلمون ، ثم لما كان مع هذا الوضوح والبيان ، من الناس من كَفرَ وخالفَ وعاندَ ، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، مسليا له وواعدا له بالنصر ومتوعدا لمن كذّبه بالعطب والهلاك ( فارتقب ) أي انتظر ( إنهم مرتقبون ) أي فسيعلمون لمن ستكون النصرة ، والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة ابن كثير .
( فإنما يسرناه بلسانك ، لعلهم يتذكرون ، فارتقب إنهم مرتقبون ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنما سهّلنا قراءة هذا القرآن ، الذي أنزلناه إليك بلسانك ليتذكر هؤلاء المشركون ، الذين أرسلناك إليهم بعِبرِه وحُججه ، ويتعظوا بعظاته ويتفكروا في آياته ، إذا أنت تتلوه عليهم ، فيُنيبوا إلى طاعة ربهم ويذعنوا للحق عندما تبينهموه . وقوله ( فارتقب إنهم مرتقبون ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فانتظر أنت يا محمد الفتح من ربك ، والنصر على هؤلاء المشركين بالله من قومك من قريش ، إنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك ، بصدهم عما أتيتهم به من الحق ، من أراد قبوله واتباعك عليه الطبري .
( فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ) أي كي يفهموه ويتذكروا به ويعملوا بموجبه ( فارتقب ) أي وأن لم يتذكروا بما يحلّ بهم ، وهو تعميم بعد تخصيص ، بقوله تعالى ( فارتقب يوم تأتي السماء …حتى قوله … إنهم مرتقبون ) وقيل : معناه مرتقبون ما يحل بهم تهكما ، وفي الآية من الوعد له صلى الله تعالى عليه وسلم ما لا يخفى الألوسي .

سورة الدخان تُنذر قوما من أمة الإسلام كفروا بعد إيمانهم

بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)

هذا الوصف لم يكن بحال من الأحوال لمشركي قريش ، فهؤلاء كذّبوا وكفروا بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام جملة وتفصيلا . والشكّ في المعتقد عادة يتأتّى بعد الإيمان ، بوحي من شياطين الإنس والجنّ والهوى ، مما يدفع الإنسان في النهاية إلى الكفر . وأما اللعب جاء بمعنى الإعراض عما ينفع والاستهزاء به ، والانشغال بما لا ينفع بل وبما يضرّ ، وهي صفة يمتاز بها الصبية والأولاد الصغار ، لصغر عقولهم وقلة مداركهم وضيق أفقهم وعدم مقدرتهم على أخذ العبرة والعظة .
أما هؤلاء القوم من أمة محمد ، فهم في شك من أمر الله ، والشك هو انعدام اليقين بمعنى أنهم غير موقنين بما أخبر عنه في كتابه المبين ، الذي جاء به الرسول المبين بلسان عربي مبين من أمور الغيب ، وعلى رأسها ربوبية الله وألوهيته ووحدانيته وإنكار قدرته على البعث ، أي الشك بملكية الله للسماوات والأرض وما بينهما ، وقدرته على تصريف الأمور ، والشك بحقيقة الحياة بعد الممات . لذلك فهم لا يتورعون عن اتخاذ دينهم هزوا ولعبا ، إذ لا بعث ولا حساب ولا عقاب يردعهم .
قال تعالى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ، لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57 المائدة ) ، فالذين يوالون الذين اتخذوا دين الله هزوا ولعبا ، من اليهود والنصارى والكفار إجمالا ، وهم يُظهرون الإيمان ليسوا بمؤمنين ، فما بالك بمن يتخذ دين الإسلام ، هزوا ولعبا ويحاربه وهو ينتسب إليه .
وقال تعالى ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70 الأنعام ) ، وقال ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51 الأعراف ) .
فهؤلاء القوم يتصفون بأمرين :
الأول : أنهم لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر .
الثاني : أن شغلهم الشاغل هو الحياة الدنيا ، وأنهم يتخذون أمور دينهم مادة للهزء والسخرية واللهو .

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)

نلاحظ أن المفسرين اختلفوا على ثلاثة مواقف ، فمنهم من وافق تفسير ابن مسعود ، ومنهم من وافق تفسير ابن عباس ، ومنهم من أخذ بالاحتمالين . وكلٌّ منهم أكمل تفسير السورة ، على ما ارتأى من صوابية اعتقاده بالنسبة لهذا الدخان . وأما من حيث زمن الوقوع ، فالاحتمال الأول ، يقول بأن الدخان والبطشة قد مضيا في مشركي قريش ، والاحتمال الثاني يقول بأنه قبل يوم القيامة ، والاحتمال الثالث يقول بأنه من أحداث يوم القيامة ، وللفصل في هذه الأقوال والمواقف ، سنستنبط صفات هذا الدخان من الآيات نفسها ، وصفات هؤلاء القوم وأفعالهم في نهاية الفصل ، بمعزل عن الروايات والتفسيرات السابقة ، فظاهر الآيات الكريمة يدل على أن ما ورد في الآيات هو نبأ دخان سيظهر في المستقبل ، والأقدر على بيان أمره هو من يعاصر ظهوره بعد اكتمال معالمه ، كما هي العادة في فهم وتفسير النبوءات المستقبلية .

رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)

وهذا هو دعاء المعُرضين عن ذكر الله كما هي العادة ، من المسرفين والمشركين والكفار من الناس إجمالا كلما مسّتهم الضراء والبأساء ، سواء كانوا من أمة الإسلام أو من غيرها كما في قوله تعالى ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12 يونس ) .
ولاحظ ضمير المخاطب ( كم ) ، والذي يعود على المخاطبين بالقرآن ، في قوله تعالى ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ، ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ، فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54 النحل ) ، وقوله ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67 الإسراء ) .
والأقرب والأظهر بالنظر في دعواهم تلك ، وإقرارهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم من الإيمان عند غشيان الدخان لهم ، أن يكون هؤلاء من أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، فسقوا عن دينهم مع كونهم مسلمين نفاقا على الأغلب ، وشركهم في الله جاء بعد الإيمان به . أما قريش فلم يكن هذا حالهم ، وما كان ليصدر منها هذا الدعاء ، فمنهم من أسلم ومنهم أصرّ على كفره ، أما النفاق فلم يعرفوه ولم يكن لهم فيه مصلحة ، ومن المعروف أن النفاق ظهر بعد انتشار الإسلام وهو ما حصل في المدينة المنورة ، لعدة غايات وأهمها وأخطرها هو سعيهم لمحاربة تعاليم الدين وهدم معالمه داخل المجتمعات الإسلامية ، وسورة الدخان مكية وحال هؤلاء كحال من قال فيهم سبحانه ، في مطلع سورة البقرة :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : ءَامَنَّا بِاللَّهِ ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ ، وَالَّذِينَ ءَامَنُوا ، وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا كَمَا ءَامَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16 البقرة ) .
حيث قال سبحانه ( ومن الناس ) ولم يحصر هذا السلوك بطائفة من الناس أو بزمن معين ، وهذا السلوك بدأ بالظهور بعدما قويت شوكة الإسلام في المدينة المنورة ، واستمر على مرّ العصور حتى يومنا هذا .

أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)

من أين لهؤلاء القوم الذكرى ؟! أي التوبة والإنابة إلى الله ، وقد سبق منهم الإعراض عما جاء به الرسول الكريم ، الذي لا يُشكّك في كرم أخلاقه أو حسبه أو نسبه أو لسانه العربي المبين ، محمد عليه الصلاة والسلام بعد مجيئه والإيمان به والانتساب إلى دينه . وفضلا عن سبق الإعراض عن رسالته ، بعد احتضانها لمدة من الزمن ، تولّوا عنه وأعرضوا عما جاء به ، واتهموه بالتعلّم من الكهّان والشياطين بحوادث ميتافيزيقية وما شابه ، وأضافوا إليه صفة الجنون إمعانا منهم في الإجرام والافتراء والاستهزاء ، فإن سلم من الكهانة لم يسلم من الجنون . فيردّ عليهم ربهم قولهم هذا بقوله لرسوله ( فَذَكِّرْ ، فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29 الطور ) ، ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4 القلم ) ، ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40 الحاقة )
وسُتفاجأ أخي المسلم أن المقصود بهذا القول ليسوا مشركي قريش ، بل مشركي ومنافقي هذا العصر من أمة الإسلام ، وأنهم قالوا هذا القول وأكثر في رسول الله عليه الصلاة والسلام ، تحت رعاية ودعم حكومي مادي ومعنوي ، وأن هذا الافتراء ذاته هو الذي أخبر عنه سبحانه وهو من أكبر الأسباب الموجبة لعقابهم .

إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15)

ويُخبر سبحانه بأنه سيرفع العذاب عنهم قليلا بعد انعقاد أسبابه ، بكشف الدخان بعد نيلهم قسطا من أذاه ، نزولا عند رغبتهم السابقة وإقرارهم بالإيمان عند غشيانه لهم ، فالدخان مجرد تحذير ولفت انتباه لهم ، بأن الله هو رب السموات والأرض وبأنه قادر على إماتتهم وإهلاكهم كما أمات آبائهم ، ولئلا تكن لهم حجّة بأنه لم يعطهم الفرصة للتوبة والإنابة . ومن ثم يٌقرّر سبحانه بأنهم سيعودون لما كانوا عليه من الشك واللعب ، وسيضيفون إليها التولي والإعراض والعصيان والاتهام لرسوله الكريم ، ليستوجبوا عن جدارة واستحقاق أن يبطش بهم رب العزة بطشته الكبرى .
قال تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم (61 التوبة ) وقال ( الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57 الأحزاب ) .

يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)

أما بطش رب العزة فهذا وصفه ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12 البروج ) . ونستطيع تصوّر طبيعة هذه البطشة من قوله تعالى في سورة القمر ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا ءَالَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40 القمر ) وتماروا بالنُذر أي كذّبوا إنذارات لوط عليه الصلاة والسلام وتحذيراته لهم ، وأكثروا الجدال والاستهزاء بها ومنها فبطش بهم ربهم ، وما وقع من قوم لوط هو ما وقع من هؤلاء ، بعد أن جاءهم هذا رسولهم الكريم نذيرا من غضب الله ، فغشيهم الدخان وستبغتهم البطشة الكبرى ، وهم ما زالوا يُمارون ويتمارون في شكٍ يلعبون ، من أمر هذا الرسول المبين وأمر هذا الكتاب المبين وأمر هذا الدخان المبين .
ـ وما نزل بقوم لوط نستخلصه من الآيات التالية :
( … إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ، جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا ، حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83 هود ) .
كان ذلك في الصباح الباكر حيث رُفعت قرية لوط عليه الصلاة والسلام بمن فيها إلى السماء ، وتقول بعض الروايات أن الملائكة في السماء الأولى سمعت نباح كلابهم ، ومن ثم قُلبت ورُميت من ذلك الارتفاع الشاهق إلى الأرض ، فأحدثت ذلك الجرف الجغرافي الممتد من على طول نهر الأردن ووادي عربة ، ومن ثم أُمطرت بالحجارة التي لا تزال ظاهرة إلى يومنا هذا ، منغرسة في الطين على شواطئ البحر الميت . وخلاصة القول أن البطشة تعني خراب الديار وهلاك أهلها بغض النظر عن الوسيلة ، مشهد يحمل في ثناياه أبشع صور للانتقام الإلهي ، حين يوغل الناس بإصرار في الإجرام بحق الله وحق رسله الكرام دون وازع أو رادع ، ضاربين بإنذارات ربهم عُرض الحائط ، مستحقّين بذلك غضبا إلهيا عارما .

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ … فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)

ومفاد الآيات أعلاه هو أن حال هؤلاء القوم ، مع محمد الكريم الأمين المبين عليه الصلاة والسلام ، كحال فرعون وقومه مع موسى الكريم الأمين المبين عليه الصلاة والسلام ، وذلك نفيا لما قاله هؤلاء عنهما ، سواء من فرعون وقومه أو ممن أشرك وكفر من أمة محمد . ومن تشبيه الحال بالحال نستطيع التعرف على موقف هؤلاء القوم من محمد ، من خلال معرفة موقف فرعون وقومه من موسى ، الذي ورد بالتفصيل في القرآن الكريم ، حيث أن الآيات ، التي تصف موقف فرعون وقومه من موسى ورسالته ، تكاد تبين ما تحويه سورة الدخان من مقاصد إلهية تكتنفها الآيات الكريمة .

حال فرعون وقومه مع موسى :

ـ دعا موسى عليه الصلاة والسلام فرعون وقومه إلى تقوى الله ، فجادلوه واستهزءوا به وبما جاء به ، وأنكروا ربوبية الله ، واتهمه فرعون بالجنون وهدّده بالسجن إن اتّخذ إلها غيره ، فأراه موسى آيات ربه الكبرى ، فاتهمه بالسحر وببلوغه مرتبة عالية في علمه ، ليصبح كبيرا السحرة ونفّذ تهديده فيمن اتبعه وآمن به من السحرة .
( وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) … فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) … قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) … قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) ( الشعراء ) .
ولهذا تشابهت لغة الخطاب وتشابهت الحجة في قول الرسولين الكريمين :
موسى : ( قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26 الشعراء )
محمد : ( … رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) … رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8 الدخان )
ـ فأنذرهم الله بالمألوف للناس من العذاب كالقحط والجوع ، مشعرا إياهم بقدرته على أخذهم لعلهم يرجعون ، ولكنهم ردّوا هذه الابتلاءات ، إلى الوشّ النحس لموسى ومن معه ولم ينسبوها إلى الله . وأصرّوا على كفرهم فأرسل عليهم ما لم يألفوه ، كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين . ولكنهم لما وقع بهم العذاب وعاينوه وعدوا موسى بالإيمان في حال كُشف عنهم . ورُفع العذاب عنهم لأجل مسمى هم بالغوه ، وفور شعورهم بالرخاء نكثوا عهدهم وعادوا لما سبق ، فانتقم الله منهم لتكذيبهم لآيات الله وغفلتهم عنها .
( وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ، قَالُوا لَنَا هَذِهِ ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ، يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ، أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ ءَايَةٍ ، لِتَسْحَرَنَا بِهَا ، فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ، ءَايَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ ، فَاسْتَكْبَرُوا ، وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ، قَالُوا : يَمُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ، لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ ، إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ، فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ، بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ، وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ، مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ، وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ، وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137 الأعراف ) .
ـ فما آمن لموسى سوى فئة قليلة من مجموع بني إسرائيل ، وتبعهم فرعون إلى البحر وعندما أدركه الغرق ، ندم الإله فخان قومه وأعلن توبته وإيمانه بإله آخر ، هو الإله الذي آمنت به بنوا إسرائيل حسب قوله .
( ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَمَا ءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ، عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ، أَنْ يَفْتِنَهُمْ ، وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) … وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ، قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90 يونس ) .
ـ وأما عامة المصريين فقد اتبعوا إلههم وربهم الأعلى فرعون ، بعد أن استخفّ عقولهم فأطاعوه ، وأضلّهم عن السبيل فكانوا قوما فاسقين كإلههم ، ومن الغريب أن صفة خفة العقل صفة متوارثة لغاية الآن في عامة الشعب المصري إلا من رحم ربي ، كما ورث أهل العراق صفة البأس الشديد من أجدادهم البابليين .
( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ، فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا ، لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38 القصص ) . ( فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى (24 النازعات ) . ( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54 الزخرف ) . ( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79 طه ) .
ـ أما علية القوم حاشية السوء فكان رأيهم أنهم هم المصلحون ، وأن موسى ومن معه من المؤمنين بالله هم المُفسدون في الأرض ، وكذلك رأي فراعنة هذا العصر بأنفسهم وبالمصلحين من الناس ، بمعنى أن موسى ومن معه سيدفعون الناس إلى عبادة الله فيتركوا عبادة آلهة فرعون ، مما يجعلهم يستنكفوا عن طاعته ليؤول ملكه إلى الزوال فتفسد الأرض ، لذلك توجب التخلص من شرورهم بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم وقهرهم ، وقتل الرأس المحرّكة للفتنة .
( وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127 الأعراف ) . ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ، وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)
ـ وأما مؤمن آل فرعون فكان له رأي آخر ، إذ قال لقومه فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ؟!
( يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ، … قَالَ فِرْعَوْنُ : مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29 غافر ) وعلى هذا فليحذر فراعنة أمة الإسلام الجدد ، الذين يهدون الناس إلى سبيل الرشاد الخاص بهم ، من بأس الله !!
ـ وجاء نصر الله لرسوله الكريم فأنجاه من مكر فرعون وملئه ، وأنزل بهم ما استجلبوه على أنفسهم من عذاب الدنيا والآخرة .
( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46 غافر )
ـ وأخيرا ، تهديد وتحذير شديد اللهجة لمن كفر بالنذير محمد من ملاقاة نفس المصير ، فليس هناك استثناء لأحد حتى ولو انتسب لأمته وادعى الإسلام ، فملة الكفر عند رب العزة واحدة ومصيرها واحد ، إذ لا خيرية في الكفر .
( وَلَقَدْ جَاءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43 القمر ) . ( إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا ، شَاهِدًا عَلَيْكُمْ ، كَمَا ، أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ، فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16 المزمل ) .
وقد جانب الصواب من ظنّ ، بأن الذين ورثوا أرض مصر هم بني إسرائيل ، فتاريخ مصر القديم والحديث لا يدل على ذلك ، وكذلك تاريخ بني إسرائيل في القرآن والسنة والتوراة والتلمود كما بينّاه سابقا ، وأما المقصودين بوراثتها ها هنا هم أهل مصر ، من أبناء من بقي من قوم فرعون وعبيده ، حيث لم يُهلك منهم في اليم غرقا سوى من تبع بني إسرائيل أثناء خروجهم من مصر ، أما الأرض التي ورثها بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر فهي الأرض المقدّسة والمباركة فلسطين .

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ … وَءَاتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)

ويُذكّر سبحانه بإنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه ، وبما آتى نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام من معجزات بيّنات ، شاهدوها بأم أعينهم في مصر وأثناء خروجهم منها ، ويذكّر سبحانه بأنه وبالرغم من تفضيلهم وابتلائهم بالسرّاء والضرّاء ، فما كان من أكثرهم إلا الكفر والفسوق والعصيان ، وإيذاء نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام ، فأنزل بهم وعليهم ربهم العذاب تلو العذاب مما فصلناه في فصل سابق . وكما حاول فرعون إيذاء موسى ومن منعه من المؤمنين ، كذلك فعل بنو إسرائيل أنفسهم بموسى بعد النجاة ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ : يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ؟! وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ، فَلَمَّا زَاغُوا ، أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5 الصف ) ومجمل من تقدّم ذكرهم في سورة الدخان يقول فيهم سبحانه :

إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ : إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى … أَهْلَكْنَاهُمْ ، إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)

يُقرّر سبحانه وتعالى بأن ( هَؤُلَاءِ ) أي أصحاب الدخان يُنكرون البعث والنشور ، كما يُقرّر سبحانه وتعالى أنهم ليسوا بخير من قوم تبع والذين من قبلهم حيث أهلكهم الله بإجرامهم ، ومن المفهوم ضمنا بأن في هذا وعيد لمن يُجرمون في حق الله ورسله وكتبه وينكرون البعث ، حيث أنهم لو آمنوا بحقيقة رجعتهم إلى الله في اليوم الآخر لتقديم الحساب ، ونيل ما ترتب على أقوالهم وأفعالهم تلك من ثواب وعقاب ، وتحصّل لديهم اليقين بذلك لما تجرّأوا على الإجرام كما أجرم الذين من قبلهم ، فهم في شك يلعبون ومصيرهم الهلاك لا محالة ، وانظر قوله تعالى موضحا حقيقة حالهم وهو أعلم بما يعتمل في صدورهم ، وحقيقة موقفه منهم ومن أمثالهم ماضيا ومستقبلا :
قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ، وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، إِلَّا مَقْتًا ، وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ ، إِلَّا خَسَارًا (39) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ، لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ، لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ، مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ ، وَمَكْرَ السَّيِّئِ ، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ ، فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ، إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ ، بِمَا كَسَبُوا ، مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45 فاطر ) .
وقال ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ ، لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85 غافر ) .
- إذن لا أحد ممن أجرم في حق الله بمفازة من العذاب ، وما تركِهم في طغيانهم يعمهون إلا لحين مجيء أجلهم المُعلوم سلفا ، وتأخير العذاب عنهم ما كان لعجز أو لقصر ذات يد ، إذ أنهم كلما أمعنوا في الكفر كلما ازدادوا مقتا وغضبا وخسارة وكلما اقترب إليهم أجلهم وهم لا يشعرون ، ولن يقبل إيمانهم عند معاينة العذاب ، بعد أن حق القول عليهم وصدر الحكم بكفرهم ونفذ قضاء الله فيهم .

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)

أي أن الله سبحانه أنزل هذا القرآن بلسان العرب ، فما هو بأعجمي حتى ندّعي عدم الفهم ، وجعله قابلا للفهم والهضم لمن أراد خير الدنيا والآخرة ، ومن لم يُرد وارتاده لأمر ما غير ذلك حُجب عنه الفهم ، ووجده طلاسم ورموز لا يفقه منها شيئا ، فكذّب وجادل وكفر ونسب إلى كتاب الله ما ليس فيه وأعرض عن اتباعه ونهى عن العمل به وحاربه بشتى الوسائل والسبل :
قال تعالى ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ، وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ، حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ ، يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ، وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ، وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ، فَقَالُوا : يَلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ ، مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29 الأنعام ) .
( فارتقب ) خاص برسوله عليه الصلاة والسلام ، وفيه وعد بنصرته ونصرة أتباعه بإهلاك خصومه ، وعام لمن يُخاطبهم القرآن ( إنهم مرتقبون ) أي مرتقبين هلاكهم غير مصدّقين ، مستهزئين غير عابئين بما وعدهم الله من أمر البطشة الكبرى ، وفيه تهكّم من الله بهم وتحقيرا لشأنهم وقوله ( فارتقب ) يفيد أن ذلك سيقع مستقبلا ، وفيه حثّ على الترقّب والانتظار كقوله ( فارتقب يوم تأتي السماء ) لمعاينة الحدث الأول ( أي الدخان ) الذي بيّن رب العزة خبره ، وبيّن ما سيكون قولهم عند نزوله بهم ، وما سيكون موقفهم بعد كشفه عنهم ، ومن ثم ( فارتقب ) في آخر السورة لمعاينة الحدث الثاني ( أي البطشة الكبرى ) لتعلم وليعلم المؤمنون ، بأن ما أخبر عنه هذا القرآن الكريم المبين هو الحق ، وأن من أنزله هو الحق ، وأن ما يُنكره هؤلاء بكفرهم هو الحق فلا يُضيرك ويُضير المؤمنين به ، كفرهم وفسوقهم وعصيانهم ، فلن تأسف عليهم السماء ولا الأرض كما لم تأسف على من أهلكناهم من قبل قال تعالى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ، لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105المائدة ) .

صفات الدخان :

1. بيّن واضح لا لُبس فيه ، وهو المعروف المألوف بين الناس ، والذي ينجم عن عملية الحرق في العادة ، ذو طبيعة غازية ولون أسود ورائحة كريهة نفّاثة مؤذية بدلالة قوله تعالى ( بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) .
2. هو من الأمور المنتظرة والمرتقبة ، قادم لا محالة في يوم من الأيام بدلالة تنكير كلمة ( يَوْمَ ) .
3. مصدره من السماء لا الأرض ، بدلالة قوله تعالى ( تَأْتِي السَّمَاءُ ) أي أن السماء ستأتي به ، وبذلك ستكون الغازات المؤلفة لهذا الدخان ، غير تلك الغازات التي تؤلف الدخان الناجم عن الحرائق على الأرض .
4. ظهوره مفاجئ ومباغت وغير مسبوق بما يُنبئ عن قدومه ، لكي يتعذر على الناس إيجاد تبريرات وأسباب مادية ومنطقية لظهوره ، ليؤكد سبحانه بأن مصدره هو السماء ، وأنه عذاب من عنده وأنه نذير سوء ، وأن هناك ما هو أفظع منه وأقسى ألا وهو البطشة الكبرى ، بدلالة قوله تعالى ( فَارْتَقِبْ ) وهو خطاب بلفظ المفرد خاص برسول الله عليه السلام ومراد به العموم ، ممن يسوءهم ما يسوء الله ورسوله أي فارتقبوه لتعرفوه إذا ظهر ، وليرتقبه المعنيين به ليحذروا ما يكون من أمر الله بعده .
5. إحاطته بالناس من كل الجوانب بمعنى أنه ينزل من السماء ، ويمكث قريبا من الأرض ملازما للناس ، يملأ عليهم معايشهم ومساكنهم ، بدلالة قوله تعالى ( يَغْشَى النَّاسَ ) والناس هنا هم الذين سيُظهرون الشك واللعب في أمر دينهم دون غيرهم ، لأن الآيات السابقة لها حدّدت حقيقة معتقدهم ( في شك ) ووصفت فعلهم بـ ( يلعبون ) ، وفي العادة فإن الدخان يتصاعد إلى أعلى بعيدا عن الناس ومساكنهم ، ومن ثم ينتشر في السماء ويختفي تدريجيا ، ومن ثم تمتزج ذراته مع ذرات الماء والغبار ، وتترسب وتعود إلى سطح الأرض خلال سويعات قليلة ، ولكن هذا مخالف لكل ما سبق ، يهبط من أعلى إلى أسفل ويبقى ملازما للأرض وللناس ، ولا ينتشر ولا يترسب حتى تتحصّل الغاية من إرساله بتعذيب أولئك القوم .
6. يُصاب الناس منه بالأذى والضرر ، وعادة ما يُحدث الدخان ضررا في الأنف والعين والحنجرة ، وقد يتسبّب بحالات اختناق نتيجة نقص الأوكسجين في أسوأ الأحوال ، من جراء غشيانه وإحاطته بهم ولكن دون الموت والهلاك ، بدلالة قوله تعالى ( هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وهذا تقرير من رب العزة بأنه عذاب لمن قد يُشكّك في ذلك ، أي أن المقصود بإنزاله إيذاء من ينزل بهم وليس موتهم ، لأمور اقترفوها توضّحها الآيات فيما يليها .
7. هذا الدخان حدث عارض وغشيانه للناس مؤقت ، وانكشاف هذا الدخان سيكون بأمر من الله ، لقوله ( إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا ) إذ أن الهدف منه هو الإنذار فقط بالرغم من انعقاد الأسباب الموجبة للعذاب ، ولكن يلزم الإصرار من قبل القوم على ما هم فيه من العتو والكبر قبل نزول البطشة الكبرى بهم ، وهذا رحمة من الله حتى بمن يؤذيه ويؤذي رُسله ويؤذي عباده .

حقيقة معتقد هؤلاء القوم وصفة أقوالهم وأفعالهم :

1. انعدام اليقين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وكل ما أخبرت عنه الكتب السماوية ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ ) .
2. الإعراض عن آيات الله والاستهزاء بها واتخاذها هزوا ولعبا كمادة للتسلية والفكاهة والتندر ( يَلْعَبُونَ ) .
3. النفاق حتى مع الله ، فحقيقة أفعالهم تتنافى مع ما يُظهرونه من إيمان أو انتساب للإسلام ، فقولهم هو ( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ) وشهادة رب العزة تُكذّب قولهم ( أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى ) .
4. الكفر بعد الإيمان بالإعراض عن هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام ( ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ) .
5. الطعن في خلقه الكريم ، واتهامه بالجنون أي المس ، وبالتعلّم من البشر والكهان والسحرة ، ( وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ) .
6. محاربة الله وإيذاء رسوله وأوليائه من الناس من تضييق وتعذيب وقتل ، ومحاربة الإسلام والطعن في تعاليمه ، وإضلال الناس وإبعادهم عن الحقيقة ، وهدي الناس بغير هدي محمد عليه الصلاة والسلام ، واتهام المُصلحين من الناس بالمفسدين في الأرض ، خشية أن يُبدّل هؤلاء المصلحون دينهم الجديد الذي يدينون بإحياء الدين الإسلامي ، وهذه هي أقوال وأفعال فرعون وقومه ، ومستفادة من تشبيه حال هؤلاء القوم ، بحال فرعون وقومه وكذلك بحال بني إسرائيل .
7. إنكار البعث والنشور وما يليه من حساب وثواب وعقاب ( إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ : إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ) .
8. ماديّون منشغلون ومتفانون في الحياة الدنيا ، فهم من عُبّاد الدنيا ومظاهرها الخادعة ، لا يؤمنون إلا بما هو محسوس ، من الدلائل الدافعة للشك والموجبة لليقين ، لطلبهم الدليل المادي بقولهم ( فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) للتأكد من حقيقة القدرة على البعث وما هم بموقنين ، فعقولهم قاصرة عن فهم الدلائل العقلية المطروحة في القرآن ، والتي لا تتحصّل إلا بالتفكّر والتدبّر .
9. مجرمون ومصرّون على إجرامهم ، فلا وازع ولا رادع يثنيهم عن غيهم وطغيانهم ولا تعنيهم التحذيرات والنذر ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) .
ظهور هذا الدخان بصفته الموضحة أعلاه ، لم يتحصّل في حياته عليه الصلاة والسلام ، حيث لو عاينه في حياته لأخبر عنه أو أخبر عنه أصحابه ، ولورد خبره في كتب السيرة والتاريخ ، وليس من المنطقي أن يكون من أحداث يوم القيامة أو من أشراطها الكبرى ، فصفته وصفة هؤلاء القوم والغاية من غشيانه لهم كما تُبينها الآيات ، لا تتفق مع كونها أحد أشراط الساعة الكبرى والتي سيُعاينها مجمل البشر ، بينما هذا الدخان خاص بأناس من أمة الإسلام ، وسبب غشيانه لهم هو أنهم كفروا بعد أن كانوا مسلمين ، وأما السبب الموجب للبطشة الكبرى هو الشك واللعب وإيذاءهم لرسوله الكريم بالرغم من تحذيرهم بالدخان .

( وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ )

جاء في لسان العرب أن جماع معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار ، وأصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب ، إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد ، ويتضح معناها من قوله تعالى ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (35 الأنبياء ) ، وقوله تعالى ( الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ ، أَنْ يُتْرَكُوا ، أَنْ يَقُولُوا ءَامَنَّا ، وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3 ) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11 العنكبوت ) ليكون معنى الفتنة هو الامتحان والاختبار ، ويكون ذلك بالابتلاء بالشر أو بالخير ، ليعلم الله الصادق من الكاذب وليعلم المؤمن من المنافق .
والملاحظ في الآيات أعلاه أن المخاطب في الآية ( 35 ) من سورة الأنبياء هم المعاصرين لرسالة الإسلام ، وأن الحديث في الآية ( 2 ) من سورة العنكبوت ، كان عن الناس إجمالا وبشكل عام . أما قوله ( ولقد فتنا الذين من قبلهم ) فالضمير ( هم ) يعود على المعاصرين لرسالة الإسلام ، والذين فتنوا من قبلهم هم كل من سبقت فتنتهم قبل مجي الإسلام ، إذ لم يكن في هذه العبارة تحديد لأقوام بعينها سبقت فتنتها ، فهي أسبقية زمانية لا مكانية .
وأما في سورة الدخان فيقول سبحانه وتعالى ( ولقد فتنا قبلهم ) ، وضمير الغائب ( هم ) في كلمة ( قبلهم ) ، يعود حصرا على أصحاب الدخان الموعودين بالبطشة الكبرى ، وبمجيء التحديد لقوم بعينهم بقوله تعالى ( قوم فرعون ) تصبح أسبقية ( قوم فرعون ) لهؤلاء الناس ، مكانية وزمانية في آن واحد ، ونلاحظ هنا أن الفتنة كانت للقوم بشكل عام ، إذ لم يقل سبحانه ( فرعون ) أو ( فرعون وقومه ) أو ( فرعون وملئه ) ، وإنما قال ( قوم فرعون ) .
ليصبح المعنى بأننا قمنا بامتحان واختبار هؤلاء القوم ( أصحاب الدخان ) ، فكان منهم ما كان في حق رسولهم وحق ما جاء به من الهدي ، ورسبوا في الامتحان الذي قُدّم إليهم ، بمجيء محمد عليه الصلاة والسلام الرسول الكريم ، وتبيّن لنا وتأكّد أنهم كاذبون فاستحقوا بطشتنا الكبرى ، كما كنا قد فتنا قبلهم في نفس الأرض قوم فرعون ، ببعث رسولنا الكريم موسى عليه الصلاة والسلام إليهم ، فكذبوه وحاربوه واتهموه بالسحر والجنون ، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر .
وهنا نفهم من قوله تعالى ( يغشى الناس ) بأن المقصودين هنا أناس بعينهم لا جملة البشر ، وحقيقة هؤلاء الناس موضحة في الآيات بشكل لا لبس فيه ، وأهم ما يتميّزون به هو الكفر والنفاق ، وأن هذا الدخان سيغشاهم كعذاب وذلك لكفرهم ونفاقهم ، مما ينفي أن هذا الدخان سيُبتلى به عامة البشر ، من مؤمنين وكفار ومنافقين ، ويُفهم من قوله ( الناس ) أنه سيغشى عامة الناس المقيمين في المكان الذي أحدث الناس فيه ما وصفته الآيات أعلاه دون سائر البشر .
أما الإشارة الثانية للمكان فجاءت في قوله تعالى ( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ … ) ونجاتهم كانت بخروجهم من مصر ، وذكر بني إسرائيل أيضا جاء هنا لاشتراكهم مع الفراعنة بالفساد والإفساد في الأرض ، وانعدام الإيمان بالله واليوم الآخر ، ومحاربتهم لله ولرسله وأنبيائه والصالحين من الناس قبل العلو وبعده ، فأنزل الله بهم العذاب تلو العذاب .
وقوله تعالى ( … إِنَّ هَؤُلَاءِ … ) أصحاب الدخان ( … أَهْلَكْنَاهُمْ ، إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وفيه تهديد ضمني للمخاطبين بالقرآن ، من كفرة أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، بالإهلاك كما أُهلك الذين من قبلهم لما فعلوا مثل فعلهم .

ترتيب المشاهد حسبما وردت في سورة الدخان :

المشهد الأول : الشك واللعب .
المشهد الثاني : غشيان الدخان للناس ومن ثم زواله .
المشهد الثالث : العودة لما كانوا عليه بل والإمعان في التولي والإعراض وأخيرا الإساءة لرسول الله .
المشهد الرابع : البطشة الكبرى .

تساؤلات :

والسؤال الأول : هل ظهر الدخان في مصر حيث مكان إقامة فرعون وقومه ؟!
والسؤال الثاني : هل كان أهل مصر ( فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ) قبل ظهور الدخان ؟!
والسؤال الثالث : هل أمعن أهل مصر في التولي والإعراض ، عما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد ظهور الدخان ( وَقَالُوا _ عنه _ مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ) أيضا ؟!

| وليدخلوا | وليتبروا | المواعيد | تفسير الدخان | فارتقب يوم | بل هم | ثم تولوا | يوم نبطش | الطوفان |
| عودة إلى قائمة التصفح |